الطبيعي في علاقة الزوج بزوجته، او الأخ بأخته أو ا لأب بابنته، هو الدعم والتعاون والتعاضد الاجتماعي والنفسي. هذا ما توجبه فعلا آصرة الدم بالفعل وبالقوة. فما يعطي للزوا ج مثلا، كفعل اجتماعي معناه النبيل، هو التواصل والتفاهم، فالزوا ج طقس ووضع اجتماعي عرفته مختلف الشعوب والحضارات، كترجمة للمودة والتأكيد لها، وهذا يعني أن الزواج يفيد التلاقي والتفاهم والمشاركة النوعية والإيجابية بخصوص تدبير اليومي وصناعة الحياة، هذا ما نجده حاضرا بقوة في الانبناء المفترض لهذا الفعل الاجتماعي، وعليه فالزوج يفترض بقوة الأشياء أن يكون مساعدا لزوجته في مسعاها نحو التألق والنجاح.
لكن الواقع يفيد العكس تماما. فكيف إدن يمكن ان تحقق المرأة نجاحها في ظل الشروط الموجودة؟ ذلك يكون بالانضباط فقط لروح الزواج ومعناه النبيل، أو لعمق ورمزية الروابط الدموية كما هو ا لأمر بالنسبة للأخت أو البنت، فذرات بسيطة من ا لتشجيع يمكن أن تصنع المستحيل. الزوج أو الأب أو الأخ، لا يتوجب فيه أن يكون معيقا للتحول ومعاديا للنجاح، بل يفرض عليه نبل العلاقة التي تربطه بالمرأة ان يكون محفزا لها، يذلل لها ا لصعاب ويقود ها نحو صناعة ا لنجا ح.
لكن السؤال المطروح هو هل كل الرجال يدفعون زوجاتهم وبناتهم وأخواتهم نحو الأمام، أم انهم يعرقلون مسارات تائقهن، ولا يسمحون لهن بتحقيق أي سبق محتمل؟ الجواب طبعا نكتشفه في تلك النظرة الدونية التي ما زالت تؤطر علاقة الرجل بالمرأة ، فالمرأة خلقت من ضلع اعوج، لتكون في خدمة سيدها، هذا ما يقوله لسان حال الغالبية العظمى من الرجال، حتى أولئك الاكثر اعتناقا للتقدمية والحداثة، في مجتمع مركب وذكوري.
مازال نجا ح المرأة من صنع المرأة ذاتها، وقليلة هي ا للحظات والحا لات التي نكتشف فيها أن نجا ح المرأة كان من توقيع رجل في الظل. للأمر اتصال وثيق أنماط التنشئة الاجتماعية محليا، والتي تعمل على إنتاج وإعادة إنتاج عدد من الممارسات والمواقف والقيم التي تكرس واقعا من التهميش للمرأة، فسلم القيم مغربيا ينبني على نموذج ثنائي تعارضي يحيل فيه كل ما هو سلبي على المرأة، وكل ما هو إيجابي على الرجل. فكيف ننتظر من نظام قيمي كهذا أن يكون منصفا للمرأة ومشجعا لها على النجاح والتميز؟ تظل الحالات التي تنتصر لنجاح المرأة متواضعة نسبيا في المجتمع المغربي، وما يؤكد هذا القول هو الصيغ التي يتم بواسطتها استقبال وتمثل نجاحات المرأة في كثير من الميادين وما إلى ذلك من العبارات ذات الحمولة القدحية، كلها تؤشر على نوع من التمثل السلبي لنجاح المرأة.
الرجل لا يرضى بتفوق المرأة عليه، فالتطبع الاجتماعي الذي تعرض له منذ البدء علمه أن الرجل هو صاحب الامتياز والقوة، وأن المرأة مجرد كائن ضعيف لا يحسن غير أشغال البيت وتلبية حاجيات الرجل. هذا ما يتم تسريبه اجتماعيا عبر مختلف المؤسسات والقنوات المجتمعية، ليس فقط الرجل، بل حتى المرأة التي تبارك هذا الوضع وتقبله وتعيد انتاجه. انطلاقا من النتائج التي اهتدت إليها مجموعة من الأبحاث السيسيولوجية ا لتي اشتغلت على منظومة القيم أساسا، يمكن ا لقول بأن هناك تحولا قيميا بشأن علاقات الذكور بالإناث، لكنه يظل تحولا في عمق الاستمرارية و إعادة الإنتاج، لهذا يظل تخمين اللحظة التي تنتهي فيها ملامح المجتمع الذكوري فعلا مؤجلة الحسم ، وهو ما يعني بالتبعية أن احتمال تحول كل الرجال الى داعمين ومؤيدين لنجاح وتألق زوجاتهم امر مستبعد في الأفق المنظور، فالمجتمع العربي مازال منضبطا في اشتغاله إلى خلفية تقليدية متحكمة في كل تفاصيله، بالرغم من الواجهة الحداثية التي تلوح في مؤسساته وتشكيلاته ا لفوقية.
